أخبار عاجلة

زرقاء كعينيكِ

الثاني من عشر من يناير عام 1996

” لماذا أنا….؟ حياة تعيسة حقا !!لا أصدقاء و لا أقرباء و لا أي شيء يا له من عالم قاس حقا …كم أتمنى الموت يا إلهي..كم أتمنى ذلك بشدة ! فلا فائدة ترجى من فتاة مثلي ! ”

“كعادتي أيضا بينما كنت أبكي وحيدة وسط ساحة المدرسة وقت الاستراحة أتى لأول مرة شخص ليسألني عن السبب..”

-مرحبا أيتها الصغيرة…لماذا تبكي ؟
-و من أنت حتى أخبرك بالسبب !
-أدعى يزن طالب في المرحلة الثانية الثانوية و قد انتقلت إلى هذه المدرسة اليوم فقط !
“كان طالبا عاديا ذي ملامح لطيفة مع عينين واسعتين و أنف صغير و تسريحة شعر مبعثرة قليلا .. و لكن ملابسه كانت مرقعة و حذائه بال قليلا مما دل على صعوبة وضعه المادي و لكن رغم كل ذلك فهو ما يزال وسيما و يحافظ على ابتسامته الرائعة”

فقام بإخراج منديل من جيبه و أعطاه لي ثم جلس بجواري و قال لي بهدوء شديد و كأنه أب يحدث ابنته الوحيدة قبل النوم
– امسحي دموعك فلا شيء يستحق البكاء في هذا العالم !
فقلت له بعد أن تملكني قليل من الضجر : بل هناك ما يستحق !
فأجاب بهدوء تام أجبرني على الهدوء أنا أيضا وما هو ؟
فقلت له و قد شعرت بالحزن والغضب في الوقت نفسه : و كيف سيعلم شخص مثلك عن ما أشعر به ..كيف سيشعر شخص مثلك بالألم ..أو هل تعلم حقا ما معنى الألم و المعاناة ؟ فلم يجب على كلامي بل اكتفى بابتسامة خفيفة و أردف قائلا
-حسنا لا يهم ..الآن قولي لي ما هو سبب بكائك ؟ -حسنا إليك السبب..السبب لأنه لا يمكنني رؤية لون السماء التي تستطيع أن تراها أنت الآن ، لا أستطيع التفريق بين الألوان ، و الجميع يسخر مني بسبب ذلك و كأنني أنا من أردت هذا لنفسي ، و كأن هذه ليست إرادة الله ، لا أصدق أنه لا توجد فتاة تود مصادقتي لهذا السبب التافه !




فعقد حاجبيه و قال ؛ عمى الألوان التام !! المصابون به لا يستطيعون رؤية أي شيء
سوى التدرجات بين اللونين الرمادي و الأسود
فأومأت موافقة أجل ؛ إنه مرض وراثي في عائلتي أمي و جدي قد أصيبا به ، و عندما ذهبت إلى الطبيب أخبرني أنا و والدي أنه علي أن أجري عملية جراحية لكي أتمكن من رؤية الألوان بصورة سليمة

فقال باهتمام شديد
-و ماذا حدث بعدها ؟
-لم يحدث شيء فتكلفة العلاج باهظة جدا و أبي عبارة عن رجل شرطة ميسور الحال و لا يستطيع تحمل هذه النفقة أبدا لذلك لم أعد لزيارة الطبيب منذ ذلك الحين ..و أيضا إن مثل هذه العملية لا تجرى إلا في أوروبا
فنظر إلى السماء ثم تنهد و قال لي
-حسنا إذا وعدتك بأن أجمع لك المال لكي تجري هذه العملية !؟..هل تعدينني بأن تتوقفي عن البكاء إلى الأبد !؟
-و لكن تك..
لم يدعني أكمل حديثي
-لا دخل لك فقط عديني بذلك ! و أردف قائلا بعد أن نظر في عيني بتمعن شديد. . إن لون السماء يشبه لون عينيك اللامعتين إنها لونها رائع مثلها إن لونهما وحده عبارة عن تحفة فنية خيالية , و الآن أستطيع معرفة سبب كره الغالبية لك ..ببساطة لأنك تملكين ما لم يملكه أحد في هده المدرسة …

لم أعلم ما الدي علي قوله لذلك قمت بتغير مسار الحوار قليلا

-و كيف ستتحصل على المال ؟
– سوف أدرس الطب و من ثم سأستطيع أن أعالجك بنفسي !
-هل تستطيع ؟
-بلى أستطيع ثقي بي فحسب !. . .و لا تقلقي فالرجال لا ينقضون عهودهم مهما حدث “الرجال فقط يا صغيرتي …الرجال”
-و لكنك ما تزال فتى صغيرا !
-أجل في الواقع إن والدي يقول لي دائما إن كلمة رجل تطلق عندما تجتمع عدة صفات في شخص واحد و ليس لسبب تقدمه في العمر أو امتلاكه لحية طويلة كما يعتقد البعض , و من صفات الرجل أيضا أنه يفي بوعوده دائما مهما كلفه الأمر
-و هل سأنتظرك كل هذه المدة ! أعني حتى تصبح طبيبا للعيون ..سأكون حينها قد سئمت من الوحدة التي أعاني منها و على أغلب الأحوال قد أقدم على الانتحار !
فصاح و قد استشاط غضبا حتى برزت عروق وجهه
-حمقاء و لماذا تقدم فتاة مثلك على الانتحار ؟
-لقد قلت لك هذا سابقا لا أحد يحبني ..لا أحد ، و كيف يعرف ولد مثلك شعور الكره و الوحدة !؟

فتنهد , بل و حتى إن ابتسامته أصبحت قريبة للمزيفة و قال
-بلى قد جربت ما هو أصعب من ذلك بكثير ، فقد فقدت أختي و أمي العام الماضي ، و بما أنني فتى فقير فلا أحد يحبني أيضا , الجميع يسخر مني لسبب أنني أعمل منظفا للأحذية في المدينة ! و كأن الجميع هنا قد ولدوا ملوكا
و لكن كما تقول والدتي علينا أن لا نهتم لأي شيء بتاتا , و أن لا نكترث بما يكنه البشر الآخرون لنا ، علينا أن نقوم بما نستطيع فعله فقط ! علينا مواصلة التقدم إلى الأمام و عدم الالتفات لأي شيء آخر ، علينا مواصلة التقدم نحو طموحاتنا ، علينا الكفاح من اجل أحلامنا لجعلها حقيقة

“كانت ثقته بنفسه كبيرة جدا , فقد بدا لوهلة كأحد قادة الحروب في بلاد الإغريق قديما , فكلامه قد بعث في نفسي الراحة و الطمأنينة …راحة لم أشعر بها منذ مدة ليست بالقصيرة”

و ما إن أنهى جملته حتى رن جرس الاستراحة معلنا عن نهايتها
فوقف قبلي و مد لي يده بعد أن قام بمسحها على قميصه و قال هيا بنا ! ، فأمسكت بيده ووقفت أنا أيضا

ابتعد عدة خطوات عني و عندها التفت و قال
-ما رأيك أن أوصلك إلى منزلك اليوم !
“لم أعلم ما الذي علي قوله له..لأنني في الواقع منذ أن دخلت إلى المدرسة و أنا أعود إلى البيت وحيدة على عكس جميع التلاميذ الذين يرافقون بعضهم البعض دائما ”
فلم أتمكن من الإجابة و اكتفيت بهز رأسي موافقة !

و عند نهاية الدوام خرجت من المدرسة فوجدته واقفا أمام باب المدرسة ينظر إلى شيء ما في يده و عندما اقتربت منه أدخل يده بسرعة في جيبه ليخفي ذلك الشيء
فسألني أين تسكنين يا..!؟
-ملاك !
-انه اسم رائع حقا !
-لقد قامت بتسميتي والدتي
-أعتقد أن هذا الاسم يليق بك أكثر من غيره !…لم تقولي لي أين تسكنين ؟

كنت مترددة قليلا..خائفة بعض الشيء..ما الذي أخفاه داخل جيبه..و لكن رغم كل تلك الأحاسيس المتضاربة أجبته
-بجانب متجر الحلويات الذي على التقاطع الآخر القريب

-هذا جيد حقا ! إنني أبعد منك قليلا …هيا بنا لنتحرك
و أثناء طريق العودة بدأ بسؤالي أسئلة غريبة
-شوكولاته أم فراولة !؟
فأجبته أنني أميل إلى الفراولة أكثر !
-مشروب أم مثلجات ؟
-مثلجات !
-باردة قليلا أم مجمدة ؟
-مجمدة !..
لقد أثارت أسئلته تساؤلاتي ..فما هذه كل هذه الأسئلة و ما هو المقصود منها ؟…مهلا !!! يا إلهي هناك عصابة للاتجار بالأعضاء البشرية في المدينة ! و يقال أن أحد أفرادها هو ولد في عمر الخامسة عشر تقريبا !
هل يعقل ؟. . .هل يعقل…!؟ كيف سأخلص نفسي من هذا الموقف يا إلهي !
و بعد أن سرنا بضع خطوات ابتسم و قال لي
-اقتربت المفاجأة الكبرى يا ملاك هل أنت مستعدة ؟
كانت هناك شاحنة كبيرة بيضاء مركونة بجانب الطريق ..و أيضا إن الشارع خال تماما من المارة .. يا إلهي !
فوقفت و قلت له لن أذهب . . عندها نظر في عيني و أمسك بيدي و قال لا عليك كل شيء على ما يرام ! فواصلت السير بخطوات متثاقلة !
و عندما وصلنا إلى الشاحنة حدثت المفاجأة التي لم أتوقعها أبدا !
إنها شاحنة بيع المثلجات ..”يا للغباء”!
فنظر إلى بلهفة شديدة و السعادة تغمر عيناه و قال لي بتعجب بعد أن عقد حاجبيه الكثيفين
-ماذا ألست سعيدة يا ملاك ؟
-بلى و لكنني لم أتوقع أن تفعل ذلك !
-لا عليك فقد تحصلت على بعض النقود بالأمس جراء العمل الذي أقوم به و هو في الواقع عبارة عن مدخراتي لهذا الأسبوع و لكن لا تقلقي سوف أضاعف جهودي في العمل لأتمكن من استرداد ثمن المثلجات!..ثم أردف فراولة مجمدة أليس كذلك ؟

فاكتفيت بهز رأسي موافقة !

فقا بإدخال يده في جيبه و أخرج بضع عملات معدنية أعطاها لصاحب الشاحنة ، لكنني تعجبت لماذا أشترى قطعة مثلجات واحدة ! فسألته !
-لماذا اشتريت قطعة واحدة ؟

فقال وقد بدا شارد الذهن قليلا

-للأسف كنت أعتقد أن قطعة المثلجات الواحدة تباع بثلاث قطع نقدية فقط ، و لكنني عندما سألت البائع عن الثمن قال لي إنها بخمس قطع ! إنني أحمل ست قطع نقدية لا غير ، و لكن لا عليك تناوليها فلا رغبة لي بها !
“أعتقد أنه يكذب لأنه يريدني أن آخذها ، فلا يوجد فتى في عمره لا يرغب في تناول المثلجات…و مع درجة الحرارة القياسية هده ! إنه يكذب بلا أدنى شك”

و بالنسبة إلى قطعة المثلجات فقد كان منظرها مغريا”رغم عدم معرفتي للونها” فأخذتها منه و بدأت أتناولها
ما لفت نظري حقا هو نظراته إلي ، فقد كان في قمة السعادة و كأنه قد حقق إنجازا عظيما
فسألني بلهفة شديدة أهي لذيذة ؟
-أجل لذيذة جدا .. لم أتناول مثلها في حياتي ! “كانت في الواقع و كأنها أول مثلجات أتناولها فقد بدت و كأنها من كوكب آخر حقا ”

فقال بتساؤل … حقا ؟




-أجل إنها لذيذة جدا ..أشكرك حقا ، فلم يهدني أحد قطعة مثلجات في حياتي
– البشر عبارة عن مجموعة من الحمقى يا صغيرتي ، لذلك تكترثي لهم و لا لأحاديثهم أبدا ، يعتقدون دائما أن ما يفعلونه هو الصواب ، فكما تقول أمي أيضا إننا في زمن يقاس فيه الناس بمقدار ثرواتهم و أموالهم ، و بالنسبة لنا يا صغيرتي فنحن مفلسون ! أي فنحن حمقى في نظر المجتمع !

فقلت له ..ما أصعب أن لا يحبك أحد أليس كذلك يا يزن !؟

-و الأصعب من ذلك أن يكون هذا الحب عبارة عن مصلحة شخصية ، أفضل أن لا يحبني أحد على أن يحبني أحد لمصلحة شخصية عندما تنتهي المصلحة يتلاشى الحب معها!…ثم أردف قائلا.. لا عليك بهذا الكلام هيا بنا لنواصل.. التحرك

فقمت بسؤاله أثناء الطريق إن كان له إخوة آخرون فقال لي

-كلا عندما توفت أختي بقيت وحيدا..فرمقني بنظرة سريعة و أردف
إنها في مثل عمرك تقريبا..إنك في المرحلة الأولى ثانوية أليس كذلك ؟
-بلى
-أجل إنها في عمرك !..لها عينان واسعتان مثلك ..واسعتان و لونهما مثل لون عينك ، الأزرق الخافت كلون السماء تماما ، أما أنفك فهو كأنف أمي إنه صغير و مستقيم مثلها ..إنك تملكين صفات مشتركة حقا بينهما ..إنه لأمر غريب حقا !
شعرت بأنه يتألم من هذا الحديث ..حديث الماضي المؤلم إنه موجع حقا و يبدو أن أثره ما يزال داخل قلبه الصغير ، فقلت له ضاحكة محاولة تغيير مسار الحوار مرة أخرى
-و لكن ما الفائدة إذا كان لا يحبني أي أحد

فبدأ يتفرس وجهي حتى شعرت بالارتباك الشديد و قال
– ما رأيك أن أتزوجك أنا ؟ … أعلم أنك قد لا توافقين بالتأكيد لأنني فتى فقير و لا أملك النقود لإسعادك و أيضا ليست لي عائلة و أقارب أو معارف فكل ما تبقى لي هو والدي ، و لكنني سأقدم لكي كل ما أملك في جعبتي لإسعادك و قد أتحصل على ثروة في المستقبل فهل هذا يكفي ؟

فشعرت بخجل شديد و قلت له دون أن أنظر في عينه
-يزن أرجوك لا تنظر في عيني !
-حسنا لن أنظر و لكن ما جوابك ؟..موافقة ؟!

“لم أعلم ما الذي علي قوله له ، فمن ناحية أنني لا أعرف حقا ما معنى أن يحبك شخص ما لأنني لم أجرب هذا الشعور في حياتي ، و من ناحية أخرى لا يوجد من يحبني في هذه المدينة سوى هذا الفتى ! هل علي تصديقه ؟ …كلا !
يا إلهي كم أنا غبية حقا كيف نسيت أمر تلك العصابة لا بد أنه الفتى الذي معهم ! و لابد أيضا أنه يستدرجني في هذه الشوارع شبه خالية لكي تسنح له الفرصة …لا شيء سوف يحيل بيني و بين الاختطاف إذا لم أتصرف بسرعة..علي أن لا أثق بكلامه ..”
فأجبته بعد هذا الصمت
-حسنا سأفكر بالأمر …
فأجاب
-حسنا سأنتظر الإجابة بفارغ الصبر !

فقلت له بعد أن خطرت ببالي فكرة ما !

-يزن ..ما رأيك أن تقوم بإغلاق عينك و تعد حتى الرقم عشرة ! فلدي ما أقدمه لك !

فقال فرحا حسنا و لكن هل أعد ببطء أم بسرعة ؟
فأجبته ببطء شديد
فقال لي حسنا لكي هذا
و ما إن بدأ العد حتى بدأت في الانسحاب شيئا فشيئا دون أن يشعر إلى أن وصلت إلى مسافة لا بأس بها بدأت في الركض باتجاه منزلي بأقصى ما أملك

لم أعلم ما الذي حدث له بعد أن فتح عينيه و لا أريد أن أعلم لأنني تنفست الصعداء أخيرا
و عندما دخلت إلى المنزل شعرت بالإعياء الشديد فصعدت إلى غرفتي التي بالأعلى و نمت لمدة طويلة

و في المساء
استيقظت على صوت جرس منزلنا و لكنني بقيت في فراشي

ففتحت أمي الباب و أغلقته بعد مدة قصيرة

و بعد دقائق قليلة صعدت إلي أمي و أعطتني رسالة و قالت لي انها من صديقك !

فقلت في نفسي و قد استشطت غضبا

“إنه يعتقد بأنني فتاة غبية حقا ” فأخذت الرسالة من أمي و أغلقت باب غرفتي و توجهت إلى خزانتي لألقي بالرسالة داخلها دون أن أحاول قراءتها أبدا ، فقد كنت محظوظة لأنني قد نجوت من هذا الفخ الذي كان ينصبه لي هذا الفتى !
و أيضا كنت أفكر في أن أخبر والدي بما جرى على العشاء ليقوم بإلقاء القبض على هذه العصابة

و عندما حان وقت الطعام نزلت لكي أتناول طعام العشاء مع عائلتي فقالت لي أمي

-ما الذي فعلته يا ملاك لذلك الفتى ؟
فأجبتها في حيرة كبيرة
-لا شيء يا أمي !
-كيف تقولين لا شيء يا ابنتي و الفتى كان يبكي بشدة !

لقد صدمت من الكلام الذي قالته والدتي لي و شعرت حينها أنني قد ارتكبت خطأ فادحا..وربما قد يكون أكبر خطأ قد ارتكبته في حياتي كلها !

و بينما كنت وسط غيمة التفكير صاح أبي
-أتعلمين يا زوجتي لقد تم إلقاء القبض على عصابة الخطف التي قتلت الفتاة و أمها العام الماضي !
-حقا ! كم هو أمر رائع حقا …يجب أن يطبق القانون بحذافيره على هؤلاء الأشرار لأنهم قاموا ببث الرعب في نفوس سكان المدينة طيلة تواجدهم أحرارا …
“أحيانا نفكر في أمور سيئة ستحدث أو حدثت ربما ، و لكننا نحاول جاهدين تغيير هذا الاستنتاج لأنه ببساطة مؤلم للغاية برغم أن الحقيقة تكون جلية أمامنا ” هكذا كان شعوري وقتها !
فقلت لأبي
-متى تم إلقاء القبض عليهم يا أبي
-البارحة يا ابنتي فقد تم مداهمة وكرهم في إحدى المستودعات المجاورة للمدينة و تم القبض عليهم جميعا دفعة واحدة من قبل رجال الشرطة !
“كنت أعتقد أنني قد ارتكبت خطأ فادحا..أما الآن فأنا متأكدة من ذلك تمام الثقة”

أنهيت عشاءي بسرعة كبيرة و صعدت إلى غرفتي لأقرأ الرسالة التي تركها لي يزن

فصعدت إلى غرفتي و قمت بإخراج الرسالة و فتحتها و يداي ترتعشان بشدة لم يكن الخط واضحا و لكنني تمكنت من القراءة ..فما كتب فيها

“هل لأنني أفقر فتى في هذه المدينة !..فكما تعلمين يمكنني الحصول على المال في المستقبل إذا اجتهدت قليلا فهذا ما يقوله لي والدي دائما و أنا أثق به كثيرا ، أو لأنني لا أمتلك عائلة ؟ ألا يكفي أبي وحده فهو ما تبقى لي في هذا العالم ، فقد قتلت كل من أمي و أختي بواسطة عصابة الاختطاف في المدينة ! أما أنت فقد كنت الخيال الذي أعادني إلى هذا العالم ، كانت روحي معلقة في السماء و عندما رأيتك تمكنت من العودة إلى العالم الحقيقي ، كنت أفكر أن أعمل بجد لأجلك ، أن أفعل أي شيء لأجلك وحدك ، إذا لم يحببك أحد في هذه المدينة فأنا سأحبك و سوف أتزوجك رغم ما تمرين به من ظروف قاسية ..المظاهر ليست مهمة بالنسبة لي أما بالنسبة لك فيبدو أن الأمر مختلف ، مختلف كثيرا …و أرجو أن تكون قد أعجبتك قطعة المثلجات ! و لن تصدقي أبدا إن قلت لك ان أسعد لحظة عشتها مؤخرا في حياتي هي اليوم عندما اشتريت لك المثلجات …

ملاحظة ؛ إذا طاردك أو تبعك شخص ما في المستقبل عليك إخفاء أثار الأقدام الخاصة بك لكي لا يحدد مكانك كما فعلت أنا…كوني بخير يا صغيرتي. . .سأبتعد . . .وداعا ”

دقات قلب سريعة جدا ، و حرارة مرتفعة ، تشتت و تلاش و ضياع للأفكار ،كان هذا مختصر حالتي حينها ، لم أعلم حقا ما هو شعور التعرض لوابل من الرصاص لأنني لم أجربه في الواقع ، و لكنّ شعوري في تلك اللحظة أعتقد أنه يساوي ذلك الشعور تماما أو ربما أكبر من ذلك بكثير !

و وسط هذا الضياع استسلمت للفراش لأدخل في سبات عميق و قد تمنيت لأول مرة بصدق لو أنني لن أستيقظ منه مجددا

في الصباح ذهبت إلى المدرسة قبل الموعد المحدد بنصف ساعة علني أجد يزن و أعتذر له عن ما بذر مني ..و لكنه لم يأت إلى المدرسة

كنت أفعل نفس الخطوات كل يوم حيث آتي قبل موعد المحدد و أقف أمام باب المدرسة لأراقب جميع الحضور و لكنه لم يأت ، كنت أتجرع مرارة الخيبة في كل مرة …كان دعائي كل ليلة مقتصر على “أريد أن ألتقي بيزن في الصباح لأعتذر له ”
و لكنني لم ألتقي به..و بدأت طاقتي تنفذ مع مرور الأيام..بدأت أشعر باليأس..خارت قواي و لم أعد أحتمل الأمر..أحاول عدم السقوط و لكن مقدار الألم كبير حقا و الجادبية أكبر من أن تتحملها فتاة في مثل عمري..فقررت فعل شيء ما ..أي شيء قد يجدي نفعا أكثر , إنني كقطة العالم شرودنجر ميتة و حية في الوقت داته ,إنني مسجونة في زنزانة كبيرة بلا قضبان، عالم حقير حقا !!
فخطر ببالي أن أذهب إلى منزله ..كل ما أعلمه أن منزله يأتي بعد منزلنا فقررت الذهاب وحدي لأسأل عن العنوان علي أجد طرف خيط يصلني بالفتى الذي حطمت فؤاده

عندما انتهى دوام المدرسة في اليوم التالي لم أعد إلى المنزل بل واصلت التقدم لأبحث عن منزل ذلك الفتى يزن..

فتذكرت مبنى قديما نوعا ما تملكه عجوز مسنة تقوم بإيجاره مقابل مبالغ زهيدة من المال

فذهبت لتلك السيدة مباشرة لتكون أول وجهة لي

وجدتها تجلس على كرسيها الهزاز أمام المبنى
فقمت بسؤالها
-مرحبا أيتها العمة نادين هل يسكن معك فتى يدعى يزن
-لا أذكر أحدا يا ابنتي بهذا الاسم ، فكما تعلمين عمتك لا تستطيع الرؤية جيدا لذلك لا أكون مركزة في غالب الأوقات..و لكن هل لديك أي وصف لهذا الفتى ..هل هو قريبك يا ابنتي ؟
-كلا إنه زميل الدراسة فقط يا عمتي !..فقد جاء للمدرسة يوما واحدا فقط ، و كنت أعتقد أنه يستأجر هو و والده إحدى الشقق التي في هذا المبنى يا عمتي !

-هل قلتي هو و والده..دعيني أتذكر قليلا !
-أجل هو ووالده..و أعتقد أنه يعمل في تنظيف الأحذية..فتى في مقتبل العمر !
-آه لقد تذكرت يا ابنتي ذاك الفتى النشيط أجل ، أليس نفسه من قامت عصابة الإتجار بالأعضاء في المدينة بقتل والدته و أخته الصغرى !

-بلى إنه هو يا عمتي…أين تقع شقته يا عمتي لأنني أريد التحدث معه في أمر مهم جدا !
-أخشى أنك لن تتمكني من ذلك يا ابنتي فقد انتقل هو و والده من المدينة منذ قرابة الأسبوع و أعتقد أنهم قد غادروا باتجاه المدينة المجاورة ، فكما تعلمين يا ابنتي إن هذه المدينة لا توجد بها فرص عمل كثيرة !
-يا للأسف..لقد..أعتقد أنني تأخرت حقا
-و هناك إشاعة تقول يا ابنتي
-ما الذي تقوله الإشاعة يا عمتي

-تقول الإشاعة في المدينة أن والد ذلك الفتى يخطط الذهاب إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية عبر البحر

– شكرا لك يا عمتي
-العفو يا ابنتي ..كوني حذرة في طريق عودتك إلى منزلك
أدركت وقتها أنني قد كسرت ذلك الكوب الذي لن يعود إلى سابق عهده مهما دعوت و صليت
أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته ،… أن تصفع اليد الذي تحاول مساعدتك ، هذا بحد ذاته يعتبر أكبر جرم في حق الإنسانية..
مرت الأيام و كأنها سنوات و كأن الوقت بدأ يتباطء إنها بالتأكيد ليست نظرية أينشتاين النسبية حيث يتباطء فيها الزمن إنها حالتي التي لم أعد أستطيع وصفها لأي أحد سوى ذاك الفتى…
في غالب الأحيان كنت مقتنعة حقا بأنني عبارة عن فتاة حمقاء ساذجة خالية من المشاعر

في نهاية العام الدراسي بينما كان أبي يشاهد أخبار الثامنة على التلفاز في المساء..رأيت ذلك الخبر !..لم أصدق عيني، أردت أن يكون مجرد وهم ، وددت لو أنه كان مجرد كابوس فقرصت يدي و عندما أحسست بالألم أدركت أن ما أراه هو الواقع

كان الخبر صادما لدرجة لا يمكن لقلبي الصغير تحملها
“قارب للهجرة غير الشرعية يغرق في أعماق البحر المتوسط مما أدى إلى وفاة جميع من كان على متنه “!

فقلت في حالة هلع و هيستيرية و الدموع تتساقط بغزارة بصوت منخفض

” يزن ” !
لم أستطع تمالك نفسي فسقطت أرضا و أغمى علي و لم أعد أشعر بأي شيء بعدها و عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى !…

لم أنس ذلك الفتى أبدا و لا ابتسامته الرائعة و لا تفاؤله الكبير و لا حتى عقله الذي يكبره بسنوات كثيرة لم أنس كلامه لي أبدا . . .و لم أنسى أيضا أنني قد قمت بخدش مشاعره النقية تجاهي

بعد مرور ثلاثة عشر عاما ما زلت لم أرى لون السماء ، و لكن كل ما علمته من ذاك الفتى أن لونها مثل لون عيني و المشكلة أنني لا أستطيع رؤية لون عيني أيضا !

بعد مرور هذه السنين أيضا صرت معلمة رياضيات في المدينة الجميع يحبني لأنه لا علاقة للرياضيات بالألوان ، و لم أتزوج أيضا فلم يتقدم لخطبتي أي شاب في المدينة ، لاسيما و أن الجميع يعلم مشكلتي مع الألوان. . .

ذات صباح يوم مشمس رائع رن هاتف المنزل فأجاب أبي …

-مرحبا يا سيدي هنا منزل الشرطي محمد كيف لي أن أخدمك ؟!. . . ماذا قلت. . .سحقا لك أيها الحقير التافه كيف تجرأ على قول هذا . . .

“يبدو أن أبي قد فقد أعصابه لسبب ما ، فلم أكترث له و لسبب ما على غير عادتي قمت بسؤال والدي

-أبي من المتصل ؟
-لا تهتمي يا ابنتي انه أحد أولئك الشباب التافهين عديمي التربية. . .

-حقا ماذا يريد ؟
-إنه يريدك أنت لذلك قمت بأغلاق عليه الخط و إن كرر هذه الفعلة ثانيا سأتصل بالشرطة لأخبرهم عن هذا المزعج عديم المروءة ! ، شباب هذه الأيام. . . فنظر والدي إلى الهاتف ثم قال بدهشة يا إلهي إن الرقم لا يظهر على شاشة الهاتف ما الذي يعنيه هذا يا ابنتي !؟

هنا بدأت دقات قلبي تتسارع. . .هنا توقف الزمن للحظات قليلة ، فبدأت أتساءل هل ما يجول الآن في خاطري صحيح ؟ “لا أعلم لأن ما أفكر فيه قد تلاشى مع الزمن و لا أعتقد أنه سيعود يوما “، فأخذت سماعة الهاتف من والدي دون أن أنبث بحرف واحد ثم قلت

-يزن أهذا أنت ؟ …فصرخ والدي في وجهي بقوة كبيرة حتى كدت أن أسقط على الأرض…” و من يكون يزن هذا” ؟

لم أكترث له . . فكررت يزن أهذا أنت. . أرجوك قل لي لماذا أنت صامت هكذا . . أعلم أنه أنت..أشعر بذلك..إحساسي لم يخطئ يوما !

فسمعت صوت تنهيدة طويلة في السماعة شعرت بالانزعاج منها . . .
فرد ذلك الشاب بنبرة مشحونة بثقة كبيرة !
-كلا فقد أخطأ إحساسك في يوم من الأيام .. لا عليك مثلجة أم باردة؟

-مثلجة ام باردة ما الذي تقوله أيها الغبي مثلجة باردة ؟ مهلا …يزن إنه أنت؟
-مرحبا يا صغيرة هل لازلت تبكين !؟

لم أتمكن من الحديث فلم أعد أعلم ما الذي أقوله فقد انعقد لساني و لكنني بصعوبة كبيرة قلت له !

-ظننتك قد مت . . .بكيت طويلا لأجلك !
-و لمادا بكيت ؟…أهي حمى الحب ؟

-تستطيع أن تغلق فمك أليس كذلك !

فضحك بشدة و أردف قائلا




-إذا لم تفي بوعدك لي ! ، كنت أعلم بأن فتاة مدللة مثلك لا يمكنها أن تفي بالوعود،و إن كنت قد مت فمن الدي تتحدثين إليه الآن، كلا لم أمت أبدا إنني في لندن الآن يا صغيرة !

-ألم يغرق ذلك القارب؟ ،
-كلا.. إذا كنت تقصدين ذاك القارب الذي غرق فلم نكن على متنه حينها !

-أتعلم ! هذا شيء رائع جدا صدقني لا أعلم ما الذي يجب علي أن أقوله لك. . .إنني آسفة حقا هذا ما أريد قوله . . .و أيضا هل حققت حلمك ؟

-متأسفة لأجل ماذا؟ في الواقع لقد آلمني ذلك الموقف كثيرا و لكن عند التفكير في الأمر أجد أن تصرفك كان سليما …أما بالنسبة إلى حلمي فللأسف لا ، لم أستطع أن أكمل دراسة الطب لعدة أسباب فاتجهت للبرمجة المعلوماتية و قد امتلكت أنا و عدة أصدقاء لي شركة صغيرة لا يستهان بها في لندن !

-هل كل ما تقوله صحيح ؟
– و الرجال لا يكذبون أيضا يا صغيرتي !…حسنا سوف أرسل ثلاث تذاكر لكم هذا الأسبوع ..عليكم ببيع منزلكم هناك و سأقوم أنا بشراء شقة لكم هنا …أخبري والدك أن يتواصل معي بهذا الخصوص !

و أجل لقد نسيت و يوجد هنا أفضل دكتور جراحة للعيون في العالم ، سأذهب غدا لأحجز موعدا لك يا صغيرة ، إنني متأكد أننا سنستطيع أنا و أنت أن نرى لون السماء بوضوح كبير في لندن من وسط شقتنا !

-شقتنا ؟. . .ما الذي تعنيه يا يزن
-أجل شقتنا..و لا شأن لك بهذا. . . أعط السماعة لوالدك لأنه لدي الكثير لكي أتحدث به معه .

“واحد اثنان ثلاثة” …يمكننك فتحها الآن يا صغيرتي !!

يا إلهي …!! لقد أجهشت بالبكاء كثيرا عندما تمكنت من رؤية لون السماء الزرقاء لأول مرة في حياتي
إنها لحظة لا تنسى أبدا و ستبقى خالدة في داخلي إلى الأبد

النهاية…

أووه كلا إنها ليست النهاية بكل تأكيد فقد وفى ذاك الفتى بوعده لي و تزوجنا معا في مدينة لندن ..و بينما كنا نتمشى في شوارع المدينة ، و لكي نسترجع ذكريات الماضي قام يزن بشراء قطعة مثلجات لي من إحدى الشاحنات ” أجل الشاحنات و ليست المتاجر الفخمة و هذا لتجسيد الذكريات فقط” ” أعلم أننا نبدو كالمجانين بهذه التصرفات و لكن الشعور رائع جدا لذلك لا يمكننا المقاومة و التوقف عن مثل هذه التصرفات الغريبة”.. ! تمكنا حينها من شراء قطعتين لنا …و بالتأكيد لم أقم بالهرب في هذه المرة , لأنني لم أستطع ذلك فأنا الآن في شهر حملي السابع و سوف أنجب فتاة كما أخبرتنا الطبيبة في المستشفى وقد قررنا أن نسمي تلك الفتاة “هند” تماما مثل اسم والدة يزن

و كنصيحة فإن : “العيش لمدة يوم واحد بجوار الأشخاص الحقيقيين أفضل بمائة مرة من العيش ألف سنة بجوار الأشخاص الخطأ لذلك عليك توخي الحذر جيد أثناء الإختيار لأنه لن يمكنك التراجع عن إختيارك ! أو ربما قد تستطيع التراجع و لكنك بذلك تكون قد خسرت الكثير و تأخرت أكثر”

 

عن فايز البصير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*