طاقة السرنديب الدكتور صلاح الراشد – الجزء الأول

حصل لي موقف سرنديبي بالأمس، والمقصود أنه موقف إيجابي لكنه غير متوقع، تكون فيه الأمور سائرة حولك لتحقيقه لك. لن أذكر هذا الموقف كونه موقفاً خاصاً، ربما مع الأيام، لكني سأعطيك مثلاً لموقف حصل لي من قبل يفيد المثال. لما كنت في السادسة عشر من عمري، رحلت إلى بريطانيا للدراسة، كنت مسجلاً في سكن داخلي. وصلت لندن، وأخذت الباص إلى محطة القطارات الرئيسية ثم أخذت القطار إلى منطقة Broadstairs وكان القياس من ابن خالتي الذي رتب لي الموضوع أنها مدينة صغيرة تأتي بعد محطة Margate، وهي مدينة صغيرة أيضاً كنت أعرفها من خلال زياراتي مع العائلة لها، إذ كانت فيها مدينة ملاهي وألعاب. بعد ساعة ونصف تقريباً وصل القطار إلى مدينة Margate. تأهبت وفوراً نزلت في المحطة التي تليها وهي مدينة Broadstairs حيث سأسكن في مدرسة خاصة اسمها Selwyn House. وصلت الأحد ليلاً. نزلت من القطار، وأظنه كان آخر قطار في اليوم. وجدت سيارة أجرة صغيرة. أخبرته أن يأخذني إلى العنوان التالي، وكان هذا عنوان المدرسة الداخلية. ذهب بي إلى المدرسة فإذا هي مغلقة. لم يكن بها أحد (كانت هذه الفترة قبل بداية العام الدراسي – أواخر الصيف، وعلى أساس يبدأ استقبال الطلبة غداً الأثنين).
قال لي: School Closed (المدرسة مغلقة الآن).
قلت له: No leave, please! لم أكن أتقن الإنجليزية.
ترجيته ألا يتركني في الشارع وحدي في منطقة لا أعرف فيها شيء. أقترح علي Motel (فندق صغير).
قلت له: OK!
لم يكن في المنطقة وقتها إلا فندقين أو ثلاثة صغار جداً. ذهبنا لهم، كان أحدهم مغلقاً والبقية لا غرف عندهم!
صلاح: Please no leave me here! صرت أكرر له.
الرجل: (نظر إلي وربما كان يقول في نفسه “ما هذه البلوة التي تحذفت علي؟”): لا سكن! ماذا نفعل؟
صار يخبرني، وأنا أحاول الفهم، بأنه مضطر للذهاب للبيت وعلي أن أتدبر أمري، وأنا صرت أبكي، لكني أخفي دموعي، من الخوف في وسط شارع مظلم. مر رجل معه كلب يمشيه في الليل. كان هذا هو الشخص الوحيد الذي رأيته في الشارع. صار يتحدث معه، ربما يقول له: هذا الفتى تورطت فيه، لا يعرف الإنجليزية جيداً، ولا يوجد سكن له .. الخ. توجه الرجل لي.
الرجل: كم تدفع لليلة في السكن؟
صلاح: Five pounds.
الرجل: OK. OK. come with me.
وذهبت معه على أساس أنام في بيتهم بقيمة خمسة جنيهات حتى الصباح، ومن ثم أذهب للمدرسة عندما تفتح. أخذني إلى بيته (لم يكن عندي خيار آخر، كانت الأحداث تسوقني إلى اللاخيار). عرفني على زوجته وابنه. بدلاً من ليلة عشت معهم ثلاث سنوات من أجمل الأيام!! كانت هذه عائلة Tobin التي احتوتني في دراستي في بريطانيا. لم تكن المدرسة جيدة ولم أرتح لها (أغلقت فيما بعد). كان السيد توبين الذي كنت أناديه Uncle عمي يمتلك صالوناً للحلاقة. قلت لمارجريت – أمي – أني أريد أن أدخل Thanet Technical College. وكانت المدرسة قريبة من البيت غير أنها لا تقبل الأجانب. كانت مارجريت تحبني جداً، وتبكي عندما أسافر، وتقوم على خدمتي أكثر مما تخدم ابنها أخي ديفيد. قالت لي: سأكلم السيد توبين. كلمته، فقال أن مدير المدرسة يحلق عنده في الصالون من وقت لآخر! ووعد أن يكلمه. بعد فترة أخذني السيد توبين إلى المدرسة التي كانت من أقوى المدارس الملكية الإنجليزية الراقية. لم أكن أتوقع أنها بهذا الحجم والضخامة والجودة. المهم كلم السيد توبين زبونه مدير المدرسة (وساطة يعني!). وافق على شرط أن أجتاز اختبار الإنجليزية والرياضيات. قدمت الاختبارات ولم اجتاز الدرجة الممطلوبة. بكيت عند مارجريت. توعدت كما يتوعد العربي أن تجبر السيد توبين. “ماذا أفعل لصلاح إذا كان ما اجتاز الاختبار؟”، رد السيد توبين. “ما لي علاقة بهذا الموضوع، صلاح راح يدخل هذه المدرسة”، ردت بحماسة مارجريت. “OK .. OK .. I will try again”، كان رضوخ السيد توبين. في اليوم التالي ذهب إلى المدرسة وأقنع السيد مدير المدرسة، وتم قبولي فيها! مكثت فيها إلى أن قدمت الاختبارات النهائية ثم السفر لأمريكا. كنت العربي الوحيد فيها بين ألف طالب تقريباً.
قدومي بليلة قبل الموعد، عدم نزولي في السكن الداخلي، قدوم العم توبين، وجود المدرسة قرب البيت، كون مدير المدرسة زبوناً للصالون، ودخولي المدرسة .. سرنديب. إن هذا السرنديب مثال لما ممكن أن يحصل لنا دون تدخل قوي منا. أحداث تتسلسل وتقود لشيء مرجو.
مثال آخر، وأيضاً من بريطانيا. كنت قدمت إلى منطقة Hove وهي لصيقة بمدينة Brighton الشهيرة وذلك بهدف دراسة الإنجليزية قبل ذهابي إلى Broadstairs. مكثت فيها كم شهر فقط. سكنت عند عائلة إنجليزية. في أول Weekend إجازة اقترحت سيدة البيت أن أذهب مع ابنها إلى وسط المدينة. كان الولد صغيراً، وهناك ضعت وضاع الولد. لم أكن أتحدث الإنجليزية، لم أرى أي عربي، لا أعرف طريق العودة. وصرت أمشي في الطرق، لا أعرف أكلم أحداً، ولا أستطيع أن أتصل بالعائلة. بعد ساعتين من المشي والتعب نزلت الأمطار الغزيرة فزادت المشكلة، فصرت أبكي وأنا أمشي، نظرت إلى فوق فتهيأ لي أن ابن خالتي عصام جالس في البلكونة! نظرت بتمعن فإذا فعلاً ابن خالتي عصام!! “عصام”، رد علي: “صلاح” .. “الله أكبر” .. نزل لي من البلكونة، وأدخلني معه، فقد كان في رحلة مع أصحاب له كويتيين أيضاً في زيارة سياحية! جلست معهم، وسهرت معهم، واتصلنا على العائلة، وسلم الله. رؤيته هنا في هذا المكان في هذا الوقت تحت هذا الظرف سرنديب منقذ.
تخيل لو كانت حياتك تسير بهذه الطريقة؟! دعنا نتدارس معاً الكيفية. من هنا وحتى ندرسها بعمق أريد من طلبتي وأحبائي ملاحظة “الصدف” أو التركيبات التي تحصل في الأيام القادمة. اعمل التالي: توقف فور حدوث الحدث السرنديبي أو بعده فوراً ثم دوّن أفكارك قبلها، والمكان، والزمان، والوقت، والأشياء التي قمت بها .. الخ. أكبر قدر من المعلومات .. تابع الجزء الثاني

عن imeky

فريق النشر بموقع مقالات كل العرب مهتم بنشر المقالات التى تفيد المواطن العربى فى جميع المجالات ونرحب بأى اخ او اخت ينضم إلينا فى فريق النشر ارسل لنا رسالة فى اخر الموقع انشر معنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*