قوم لوط  ( قرية سدوم الفاحشة )

لوط هو نبي من أنبياء الله – عز وجل – كان يعيش في سدوم، وهي عبارة عن عدة قرى على شاطئ البحر الميت في الأردن، وكان سيدنا لوط ابن عمِّ سيدنا إبراهيم، وفي يوم من الأيام جاء سيدَنا إبراهيمَ ضيوفٌ، كانوا ثلاثة رجال وسيمين، وجوههم جميلة، دخلوا عليه وقالوا: سلامًا، فردَّ عليهم السلام وقال: سلام، ورحَّب بهم، وفَرِح بقدومهم، ولأنَّ سيدنا إبراهيم رجل كريمٌ يحب الضيوف ويحب إكرامهم قام سريعًا بالذهاب لزوجته السيدة سارة، وذبح عجلاً كبيرًا سمينًا حتى يأكل ضيوفه ويَتناولوا طعامهم، فشوى العجل وأصبَح شكلُه شهيًّا ولذيذًا وقربه إليهم ليأكلوه، ولكنَّهم – ويا للعجب – لم يَقربوه أو يأكلوه!

خاف سيدنا إبراهيم من هؤلاء الشبان؛ لأنَّ العرب كانوا إذا نزَل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأتِ بخير، وأنه يُخفي في نفسه شرًّا تجاههم، فلما رأى الضيوفُ ما بإبراهيم من الخوف قالوا: لا تخفْ مِنا، وكن آمنًا؛ فنحن لن نُؤذيَك، فإننا ملائكة مرسلون، قيل أنهم كانوا جبريل، إسرافيل، ميكائيل. قالوا له: لا تخف يا إبراهيم، فالله أرسلنا لنُهلك قرية سدوم، حَزِن سيدنا إبراهيم وقال: ولكن هذه القرية فيها لوط، وهو رجل صالح مؤمن، قالوا له: لا تقلق؛ فالله – عز وجل – سيُنجيه منهم ولن يهلك معهم، حاول سيدنا إبراهيم أن يُقنعهم بعدم إهلاك القرية لعلَّ أهلها يرجعون إلى الحق ويتوبون عن أفعالهم؛ فقد كان سيدنا إبراهيم رجلاً رحيمًا حليمًا، ولكنهم قالوا له: يا إبراهيم، أعرض عن هذا؛ فقد جاء أمر ربك، فالله قضى أنه سيُهلكهم، وإذا قضى الله أمرًا فلا بدَّ أن يقع، وعلينا أن نُطيعه ونَستسلم له، فسكَت إبراهيم، وذهبت الملائكة إلى قرى سدوم للانتقام من أهلها.




فقوم لوط خالفوا الطبيعة، وابتعَدوا عن فطرة الإنسان الطاهرة، فأصبح الرجال يعيشون مع الرجال، والنساء يعيشون مع النساء، ويفعلون أفعالاً مُنكَرة تُغضِب الله – عز وجل – فيكشف كل منهم عورته للآخر، ولا يستحيون، ولا يَخجلون، بل ويتزوَّج الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وفوق كل هذا كانوا كفارًا يعبدون الأصنام، ويقطعون الطريق، ويأخذون أموال المُسافرين وأمتعتَهم، ويَعتدون على الحرمات، ويَنتهكون الأعراض، ويَخونون الرفيق، ويأتون المُنكَرات علانية في ناديهم، فيَسخرون من الناس، ويَحذفون المارة، ويؤذونهم بما لا يليق من الأقوال والأفعال.

عاش سيدنا لوط في هذه القرية الظالمة، يَعيش غريبًا بينهم، ويتعجب مما يفعلونه، ويَكره تصرُّفاتهم السيئة.

فسيدنا لوط كان رجلاً مؤمنًا يَعبد الله وحده، خلوقًا، يعلم حق الضيف فيُكرمه، ويساعد الغرباء والمسافرين، كان رجلاً مؤمنًا وكانوا جميعًا أشرارًا سيئين.

ولأنَّ سيدنا لوطًا كان رجلاً صالحًا، فكل أهل سدوم كانوا يكرهونه؛ لأنه لا يفعل مثلهم، ولأنه كان دائمًا ينصحهم بأن يتوقَّفوا عن أفعالهم السيئة ويعودا إلى فطرة الله – عز وجل – ويعيشوا مع زوجاتهم وأبنائهم، ولكنهم لم يستجيبوا له، وتكبروا عليه.

وتمرُّ الأيام والشهور والسنوات وسيدنا لوط ماضٍ في دعوتهم، يَنصحهم ويدعوهم إلى الله، وينهاهم عن الأفعال السيئة، ولكن مع كل هذا يزداد أهل سدوم في فسادهم وشرهم، وتزداد مُضايَقتهم لسيدنا لوط، حتى إنهم حاولوا أن يَطردوه من قريتهم، وسَخِروا منه، وقالوا: إنه رجل نظيف! بل واستهزؤوا به، وقالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين!

ما يُحزن القلب أن زوجة سيدنا لوط لم تَكن مؤمنة بالله، بل كانت كافرة مثلهم، وكانت راضية بما يفعل أهل القرية من منكرات وأفعال سيئة، بل وكانت تتجسَّس على سيدنا لوط وتأتيهم بأخباره!

ولم يكن مؤمنون في هذه القرية إلا سيدنا لوط وبناته وربما عدد قليل ممن يخفون إيمانهم بالله!

خرجت الملائكة من عند سيدنا إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلَغوا نهر سَدُوم لقوا ابنة لوطٍ تَستقي من الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية، هل مِن مَنزِل؟ قالت: نعم؛ فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتيكم، وخافت عليهم من قَوْمها أن يفعلوا معهم الأمور السيئة والفاحشة، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، هناك فِتْيان على باب المدينة ما رأيتُ وجوه قومٍ أحسنَ منهم، أخاف إن رآهم قومك أن يُؤذوهم ويفعلوا المنكرات معهم، فهل نستضيفهم؟[

شعر سيدنا لوط بالحيرة؛ هو يخشى إنِ استضافهم أن يعلم أهل القرية بقدومهم فيأتوا إليهم ويأخذوهم، هل يَرفض استضافتهم؟ كيف ذلك وهو رجل مؤمن يعلم أنه ليس من الأخلاق الكريمة ولا مِن الدِّين أن يرفض المسلم مساعدة أخيه المسلم، لا يَستطيع أن يرفض استضافتهم، فربما كانوا جائعين أو مُتعبين أو يحتاجون المساعدة، ماذا يفعل؟!

مع توتُّره وقلقه وشعوره أنَّ هذا اليوم سيكون يومًا شديدًا إلا أنه قرَّر استضافتهم، وبالفعل جاء الضيوف الثلاثة بيتَ سيدنا لوط، ولم يعرف أحد في القرية كلها أن سيدنا لوطًا عنده ضيوف إلا زوجته الكافرة السيئة علمت أن لوطًا عنده ضيوف رجال.

خرجت تلك المرأة الشريرة وأخبَرَت قومها أن لوطًا عنده ضيوف شكلهم جميل، ووسيمون جدًّا، فأسرع رجال القرية السيئون إلى بيت سيدنا لوط، وجعلوا يطرقون الباب بقوة شديدة ويقولون: يا لوط، أخرِجْ لنا ضيوفك!

خاف سيدنا لوط على ضيوفه، وظلَّ يتلفَّت يمينًا وشمالاً يَبحث عمن يساعده، ولكن لم يَجد أحدًا، كان هو وحيدًا وهم كثيرون يَنتظرون أن يفتح لهم ليأخذوا ضيوفه ويفعلوا معهم الفاحشة والمُنكَرات.




ورغم كل ذلك إلا أن سيدنا لوطًا كان رجلاً شجاعًا، أغلق الباب على ضيوفه لحمايتهم وخرَج إليهم وحيدًا قويًّا مؤمنًا، وقال لهم: يا قومي، عودوا إلى رشدكم، عودوا إلى فطرتكم، أليس منكم رجل عاقل يشمئز مما تفعلونه من المنكرات؟! ألا تستحون من فعلكم المنكر؟ ألا تَخجلون من أن يراكم الله على هذه الحالة؟! اقبلوا أمر الله وتزوَّجوا النساء وابتعِدوا عن الرجال.

ولكنهم كانوا مصرِّين ومعاندين، ولم يستمعوا إليه؛ فقلوبهم ميتة، وعقولهم مريضة، وقالوا له: أنت تعلم أننا لا نريد النساء، بل نحن نريد الرجال فأخرِجْهم لنا! تمنَّى لوط في هذه اللحظة ألا يكون وحده، وأن يكون عنده أنصار ينصرونه، وأعوان يُعينونه ويساعدونه في حماية ضيوفه؛ حتى لا يتعرَّضوا لهم بسوء، وفي هذه اللحظة فُتح الباب وخرَج الضيوف، وقام جبريل عليه السلام بضرب وجوههم فطُمست أعينهم وأصبحوا عميانًا لا يهتدون الطريق، ثم التفتوا إليه وكشفوا عن هويتهم الحقيقية وأنهم ليسوا بشرًا، وقالوا له: يا لوط لا تخف، وكن آمنًا مطمئنًّا، فنحن رسل ربك، أرسلَنا الله لندمِّر هذه القرية، ونُهلك أهلها الكافرين الظالمين في الصباح، فخذ أنتَ أهلك إلا امرأتك السيئة، واخرجوا من هذه القرية آخر الليل، ولا يَلتفت أحد منكم إلى الخلف إذا سمعتم أصوات الصراخ حتى لا يُصيبه العذاب.

وبالفعل أمر سيدنا لوط أسرته أن تستعد لمغادرة القرية في قلب الظلام، وفي مُنتصَف الليل كان عليه أن يرحل ويأخذ معه أسرته بعيدًا، سادت الفوضى أهل سدوم، وغادر سيدنا لوط وأسرته القرية على عجل، وعند شروق الشمس حدَث أمر مذهل عجيب.


دوَّت صيحة هائلة، مُزلزلة، وأمطر الله عليهم من السماء حجارةً مُلتهبة تَحرقهم، وأحاط بهم دخان خانق يَشْوي وجوههم وأجسامهم، واقتلع المَلَكٌ بطرف جناحه القرية بما فيها، وارتفع بها حتى سَمع أهلُ السماء نُباحَ كلابها، وصياح ديوكهم، ثم انقلبت القرية رأسًا على عقب، وجعل الله عاليَها سافلها، وامتلأت سماء سدوم بكُتل النار الملتهبة، وغمرت النار أرض سدوم.

جاء الصباح، وأشرقت الشمس، ولكن بعد أن دُمِّرت قرية سدوم عن آخرها، كل ما فيها تهدَّم واحترق، تحوَّلت إلى أكوام من الحجارة المُحترقة، كل شيء احترق تحوَّل إلى رماد.

لقد تكبَّر أهل سدوم في الأرض وأفسدوا فيها وخالفوا فطرتهم، فكان عقابهم شديدًا أليمًا.

ولهذا حلَّ بهم غضب الله الشديد، وانتهت قرية سيدنا لوط تمامًا، ولم يعد لها وجود، وانمحَتْ قريتهم وأسماؤهم مِن الأرض.

ونجَّى الله لوطًا وبناته برحمة منه سبحانه؛ لأنهم حفظوا العهد، وشكروا النعمة، وعبدوا الله الواحد الأحد، وكانوا خير مثال للعفة والطهارة، وأصبحَت قرية سدوم عبرة وعظة لكل الأجيال القادمة.




اذا اتممت القرائه علق. ثم شارك

عن imeky

ناشر ومدرب تسويق الكترونى مهتم بأنتاج برامج تعليم اللغات والكتب الورقية وكتب PDF وكتب الاطفال وحملات تسويق المنتجات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*